ولا بيطلب من حد ينشر أخباره. لكنه بدأ يراجع بعض التبرعات القديمة، ويتأكد إنها بتوصل للناس اللي محتاجاها فعلًا. وفي أحد الاجتماعات، اقترح أحد المديرين إن الشركة تعمل حملة إعلامية كبيرة عن التبرعات الطبية علشان تحسن صورتها قدام الجمهور.
الشيخ راشد سمعه للآخر، وبعدها قال لو هدفــ,,ـــــنا نساعد الناس، يبقى الفلوس تروح للمساعدة. مش لازم كل محتاج يقف قدام كاميرا علشان يثبت إنه محتاج. المدير سكت. والباقيين بصوا لبعض. الشيخ راشد كمل اللي محتاج علاج، محتاج علاج. مش محتاج يحكي حياته كلها للناس، ولا يفضل مدين بالشكر لحد.
اعملوا نظام واضح، يحفظ كرامة المړيض ويوصل الدعم لمستحقيه. كانت دي مجرد تعليمات في اجتماع عادي، لكنها كانت مختلفة عن الطريقة اللي ناس كتير اتعودت تسمع بيها قراراته. ومع ذلك، الشيخ راشد نفسه مكنش شايف إنه اتغير.
كان شايف إنه عمل حاجة بسيطة، وإنه لو يقدر يساعد شخص من غير ما يسبب له إحراج، يبقى ده كفاية. بعد فترة، بدأت حالة أبو إيما تستقر نسبيًا، وظهرت نتائج الفحوصات اللي الأطباء كانوا مستنيينها. الفريق الطبي شرح لها خطة العلاج والخطوات المطلوبة، وبدأوا ينفذوها وفقًا لحالته.
إيما فضلت جنبه، بتتابع كل تفصيلة، وبتحاول تعوضه عن الأيام اللي كانت مشغولة فيها بالشغل ومش قادرة تقعد معاه وقت طويل. وفي إحدى الليالي، كان أبوها صاحي، وهي قاعدة جنبه بتقرأ له بعض الرسائل اللي وصلته من معارفه. بص لها فجأة وسألها إنتِ نمتي كويس اليومين اللي فاتوا؟
إيما ابتسمت. أحسن من الأول. وشغلك؟ هرجع أنظم وقتي. مش هفضل أشتغل بالشكل اللي كنت بعمله ده. أبوها مسك إيدها وقال أنا عارف إنك عملتي كل ده علشاني، بس مش عايزك تخسري صحتك وإنتِ بتحاولي تنقذيني. أنا عايزك تعيشي حياتك كمان يا بنتي. عينيها دمعت.
إنتللي علمتني إني ماسيبش حد محتاجني. ابتسم أبوها وقال المساعدة مش معناها إنك تكسري نفسك علشان كل الناس. لازم تعرفي إنك إنتِ كمان تستحقي حد يقف جنبك. إيما سكتت. افتكرت كلام الرسالة. يمكن الشخص اللي كتبها مكنش يعرف تفاصيل حياتها كلها، لكنه فهم حاجة كانت هي نفسها ناسية تفكر فيها.
إن الإنسان ممكن يفضل يساعد غيره لحد ما ينسى إنه محتاج مساعدة هو كمان. وإن القوة مش معناها إنك تستحمل كل حاجة لوحدك. أحيانًا القوة الحقيقية إنك تسمح لحد يساعدك، من غير ما تحس إن ده بيقلل منك.
في إحدى الليالي، بعد ما رجعت إيما من المستشفى، فتحت شنطتها علشان تدور على إيصال قديم، ووقعت عينيها على تذكرة الطيران اللي احتفظت بيها. طلعتها، وبصت لتاريخ الرحلة. افتكرت كل لحظة حصلت فيها. تعبها. خۏفها. الطائرة. الرجل الغريب. البطانية. والرسالة اللي وصلت لها في صباح اليوم التالي.
ابتسمت بحزن بسيط، وبعدها قالت لنفسها يا ترى هو مين؟ كانت نفسها تعرف اسمه، ولو لمرة واحدة، علشان تدعي له باسمه. لكنها مكنتش تعرف إن في نفس اللحظة تقريبًا، الشيخ راشد كان واقف قدام شباك مكتبه، بيبص لأضواء المدينة من فوق.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.